| الفصل الدراسي الأول للعام الدراسي 1436/1437هـ | رؤيتنا: في عام 2020 م رقم ( 1 ) في المملكة لبناء القادة والمبدعين المنتجين لخدمة مجتمعهم المحلي والعالمي | ||
2
طول آدم والإنسان، ومنحنى نقصانه مع الزمان، والرد على عدنان
طول آدم والإنسان، ومنحنى نقصانه مع الزمان، والرد على عدنانThe Height of Adam, the Decline of Human Height, and Answering Adnan Ibrahimعزالدين كزابر

Key Words: Human Height, Gigantism, Giant Humans, Allometric Scaling, Senescence, Macroecology, Phylogeny, Megafauna,
هنا تجد: تهافت محمد شحرور في تفنيده لطول عمر نوح عليه السلام والرد عليهوهنا تجد: علاقة حجم الجسم بمرور الزمن على الكائن الحي [ يومٌ - مقداره ألف سنة ! .. فما هو؟وهنا تجد نقداً عبثياً لهذه الدراسة والرد عليهمقدمـــــــة إذا كان عمر آدم عليه السلام ألف سنة، وعمر نوح عليه السلام يزيد عن 950 سنة. وكانت أعمار ذريتهما من بعدهما تقدر بمئات السنين وعلى مدارعمر البشرية الذي قدرناه في دراستنا السابقة " عُمْر البشرية، ومنحنى نقصان عُمْر الإنسان! " بمئات الآلاف من السنين (520 ألف – 2.7 مليون)، وعلى نحو ما رأينا في منحنى نقصان عمر الإنسان. فالسؤال الآتي يفرض نفسه:
هل يلزم عن طول عمر آدم وذريته أن يكون أطوالهم وصفاتهم البدنية على ما غير ما نعهده الآن؟ أم أن طول العمر وهيئة الجسم مسألتان منفصلتان ولا علاقة بينهما؟
نقول: إن ما نشاهده من عدم تحمل بدن الإنسان المعاصر إلا قليلاً من السنوات المعدودة وراء المئة في أقصى ما يتحمله بفعل الشيخوخة، أمرٌ لا يمكن الفكاك منه. بمعنى أنه من المستحيل – على ما تؤكده الشواهد - أن يكون الإنسان الأول ذا عمر يتجاوز المئات من السنين، ويصل إلى الألف في بواكيره، ثم يكون بدنه مماثل لبدنه الحالي. وتُفضي هذه الاستحالة إلى ضرورة أن يواكب طول عمر الإنسان الأول بدناً يتحمل هذه الحياة الطويلة.
ويتسق هذا التوقع كل الإتساق مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي قال فيه أن طول آدم كان ستون ذراعا في السماء. كما يتسق أيضاً مع الدراسات الحديثة التي تربط بين عمر الكائنات الحية وأحجامها، وأن الأكبر حجماً منها أطول عمرا، وأن الأطول عمراً لا بد وأن يكون ذا حجم أكبر يدعم طول العمر، ويتحدّى موانع البقاء لفترات زمنية أبعد كثيراً مما نألفه. بمعنى أن كِبر الحجم أصبح لازمة من لوازم طول العمر، وطول عمر الإنسان الأول – كما هو معلوم - قد استمد يقينه من يقين النص القرآني.
وعلى ذلك سيكون أمامنا مساران مفهوميان:
الأول، ما تؤدي إليه استنباطاتنا من طول عمر الإنسان الأول – كما نص على ذلك القرآن يقيناً - وطول بدن آدم – كما نص عليه القرآن ترجيحا من جهة، والحديث النبوي (في أضعف الأقوال) من جهة اخرى- والعلاقة بين تناقص كل من العمر والطول مع الزمن. وهذا هو المسار النقلي الاستنباطي
الثاني: ما تشير إليه الدراسات الحديثة من علاقة بين الأعمار القصوى life spans للكائنات الحية المختلفة، وأحجام أبدانها عند البلوغ. ثم ما يلحق بذلك مما سجله التاريخ من شهود عيان وحفريات. وهذا هو المسار الرصدي الاستدلالي.
وإذا سَلِمَت آليات الاستنباط والاستدلال، فلا بد أن يتقاطع المساران في ما يحقق الرجحان، بعد استفراغ الوسع في معرفة الحق وتمييزه من الباطل في المسألة.
المعالجة التحليلية للمسألة:سنبدأ معالجتنا للمسألة بالمسار النقلي الاستنباطي، وحيثما تعرض لنا مواقف تتطلب استحضار معلومات واقعية، سنعمد إلى مواجهتها بما تحمله من أدلة رصدية استدلالية، فتتقاطع الأدلة من كلا المسارين بما يهذب آليات الاستنباط والاستدلال في كليهما إذا سلمت المصادر بنوعيها.
فنقول: شهدنا في دراستنا السابقة " عُمْر البشرية، ومنحنى نقصان عُمْر الإنسان! " كيف استنبطنا دالة تغير عمر الإنسان، منذ آدم عليه السلام. وكيف أن نقصان العمر كان حَتْماً محتوماً خطاه الإنسان وما يزال، وحتى ينتهي وجود البشرية على الأرض، حتى وإن تطلب الأمر تنقيح صورة الدالة التي حصلنا عليها، والذي سيكون عندئذ اختلافاً في الدرجة وليس اختلافاً في وجاهة التفسير، إلا منْ عاند النص الإلهي، والذي سيخرج بالضرورة من دائرة الحوار العلمي الذي نحن بصدده، والذي يقتصر على المؤمنين بوجود إعمال النص الإلهي في كل مسألة تعرض لنا. غير أنه بمقدور مَنْ وراء ذلك - إن شاء - أن يعتبر ما نؤمن به عندنا فَرَضيات علمية عنده، فيختبرها إن شاء بما يلزم عنها، ولن نمانعه في مداخلاته في مسائلنا إن التزم بعدم التحكم والمصادرة، أو الانتقاص والمكابرة.
وبعد اعتماد النص القرآني كمصدر أول في المسألة وما يحمله من درجة اليقين، سيلحقه تأويل عدد من الآيات في شأن قوم عاد، وعلى نحو ما سنراه لاحقاً، ثم يأتي الحديث النبوي الشهير (القائل بأن طول آدم كان ستون ذراعاً)، والمروي في الصحيحين، والذي يفضي بالضرورة – بعد سلامة متنه – إلى نقصان طول الإنسان عبر نفس التتابع الزمني الذي قطعه العمر في تناقصه.
الأدلة الشرعية النقلية على طول آدم وأبنائه من بعده (استنباطاً من آيات القرآن)، وأنه كان ستين ذراعاً (بقوة الحديث)، وربما أنه كان في عرض سبعة أذرع (بالحديث الأضعف):
رغم أن القرآن لم ينص صراحة على طول آدم، إلا أن عدداً من الآيات قد استلزم هذا الطول المفرط له ولأبنائه الأقرب إليه فالأقرب. وذلك على الترتيب التالي بحسب تقدير قوة هذا الاستلزام:
1- قول الله تعالى "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا"(العنكبوت:14)، ومنه أن مُكث نوح عليه السلام في قومه أكثر من 950 سنة يستلزم أنه كان ذا بدن يتحمل هذا العمر، وذلك باعتبار أن هذا العمر المديد لم يكن معجزة خاصة بنوح، بل أنه خصيصة في الخلق بدأت في آدم وتتالت في أبنائه، وأن تناقص العمر كان بتقدير الله عز وجل مع الزمان.
2- قول الله تعالى عن قوم عاد: " كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20)"(القمر)، وقال سبحانه: "سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ (أي: الريح) سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7)"(الحاقة). ومعلوم أن قوم عاد كانوا أول الأقوام التي أتت بعد الطوفان، كما يُفهم من قول الله تعالى "وَاذْكُرُوا (المخاطَبين هم عاد قوم هود) إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ "(الأعراف:69)، وأن بين نوح وآدم عشرة قرون إنسانية كما جاء في الحديث. والشاهد هنا أن وصف عاد – حين نزل بهم عذاب الله تعالى- بأنهم " أَعْجَازُ نَخْلٍ " لا يستقيم مع أجساد البشر المعهودة لنا الآن. فالنخل التام النمو في الصحاري شبه الاستوائيةsubtropical deserts والتي منها المنطقة العربية، – وخاصة من نوع(1) Phoenix. dactylifera - يصل في أقصى أطواله إلى ما بين 60 و 80 قدما، أي ما بين 18 إلى 24 متراً وربما أزيد(2). وهذه الأطوال تستقيم تماماً مع طول آدم البالغ 28 متراً (60 ذراعا) وبما يُعبِّر عن تناقص الطول بين آدم وعاد. ومن ثم يكون من فوائد الآيات هنا أن أطوال قوم عاد كانت بهذه الأبعاد الشبيهة بأبعاد النخل.
3- قول الله تعالى (عن قوم موسى حين أمرهم بدخول الأرض المقدسة وتمنُّعهم): " قَالُوا (أي: قوم موسى) يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ "(المائدة:22)، قال الطبري في تفسيره: "سموهم"جبّارين لأنهم كانوا لشدة بطشهم وعظيم خلقهم، فيما ذُكِر لنا، قد قهروا سائر الأمم غيرهم."، وهي أوصاف تسير جنباً إلى جنب مع وصف آخر لقوم عاد جاء في كتاب الله تعالى هو " وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ "(الشعراء:130). وهذه الأوصاف تميز الأقدمين عن المتأخرين في البنية الجسدية ومن ثم القوة، لذا نقرأ أيضاً في كتاب الله تعالى " أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا "(الروم:9).
غير أن التمييز هنا واجب بين "الجبارين" الذين تكلم عنهم قوم موسى، وكانوا يُسمُّون في الأدبيات التاريخية بـ "العماليق"، وكانوا يقطنون بعض الأماكن العربية(3) وربما أماكن أخرى لا نعلمها، هذا من جهة، وبين قوم عاد من جهة ثانية. فقوم عاد كانوا تالين لنوح عليه السلام، ومن ثم كانت أعمارهم قريبة من عمر نوح أو أقل نسبياً، وقد شبَّهت الآيات هيئهم بهيئة النخل لطول خِلقتهم. أما الذين وصفهم قوم موسى بالجبارين، أي العماليق، فهم معاصرون لموسى عليه السلام، والغالب أنهم من ذرية أقوام إنسانية كبيرة الأجسام، غير أنها كبيرة بالنسبة للإنسان المعاصر فقط ولا يقارنون بقوم عاد، الذين كانوا بعيدين عنهم كثيراً، ومن أمثلة العماليق "جالوت"(4) Goliath، وقد جاء عنه في كتاب الله قوله تعالى "فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ...(251)"(البقرة)، ومن المؤكد أن طالوت(5) King Saul– وهو الملك الذي ملكه الله على بني إسرائيل قبل داوود كما جاء بالآيات الكريمات أعلى، وأنه كان طويلاً، وربما أن لهذه الصفة ارتباطٌ باسمه "طالوت" من حيث أن له اشتقاقاً من "الطول"، فقد قال الله تعالى فيه "وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِوَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) "(البقرة).
4- حديث النبي صلى الله عليه وسلم، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: [خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا. قال: اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك. فقال: السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورته فلم يزل ينقص الخلق حتى الآن] (متفق عليه – أي على صحته في مسلم والبخاري).
وهذا الحديث يُعَيِّن قدر طول آدم تعييناً تاماً. وهو صحيح سنداً بلا مراء. ولا يمكن الطعن فيه إلا من جهة المتن. ولا يمكن أن يهتز الحديث إلا بأدلة دامغة وتستند إلى أدلة حسية عينية. فإذا داخل تلك الأدلة المُشكِّكة الاحتمال سقطت. لأن الحديث يبقى صحيحاً ولو بأقل احتمال. ولا ينتفي مدلول متنه إلا بسيادة دليل النفي.
وجدير بالاعتبار في هذا الحديث أنه يعين النسبة بين طول آدم وما نعهد من طول الإنسان، وهي 60 ذراعاً إلى 3.8 ذراعاً. أي 16 ضعفاً تقريباً، (الذراع = 24 أصبعاً = 46 سم). وهذه النسبة هي هي النسبة بين طول عمر آدم، أي 1000 سنة، و65 سنة هجرية، (وهي طول العمر المتوسط لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث آخر). وعلى ذلك تكون النسبة الأخيرة 1000/63.1 = 16 تقريباً.
تحليل العلاقة بين تناقص العمر وتناقص الطول، منذ آدم وحتى أمة محمد صلى الله عليه وسلم:الجدير بالملاحظة أن آدم كان عمره 1000 سنة وطوله 28 متراً تقريباً، وأن الإنسان المعاصر (مثلهم مثل أمة محمد صلى الله عليه وسلم) عمره 65 سنة وطوله (المتوسط على مستوى العالم) 1.62 متر. ولا يمكن إهمال الارتباط بين طول العمر وطول الجسم. وكونهما مرتبطان.
وهذا الارتباط بين العمر وطول الجسم (المستخرج من المصادر الشرعية) يقول بأن هذا الارتباط (شبه) تام. وقد توخينا الحذر من القول بأنه تام، إتاحة لفرصة دخول هامش من الحرية لما قد يستجد من معلومات.
فإذا افترضنا مبدئياً أن الارتباط تام، فهذا يعني أن دالة التناقص في العمر A(t) تتناسب مع دالة التناسب في الطول H(t)، فإذا كان العمر طويلاً في الزمن (t) المقاس من بداية البشرية، فطول الجسم سيكون مفرطاً في نفس الزمن (t). وإذا كان العمر قصير، فالطول أيضاً قصير. وتكتب هذه العلاقة على الصورة:

حيث تعني هذه العلامة أن الدالتين تتناسبان سوياً، كبراً في الماضي (حيث t صغيرة)، أو صغراً في اللاحق (حيث t كبيرة).
وعادة يُزال هذا التناسب ويستبدل به علامة التساوي ويتم إدخال ثابت للتناسب، فتأخذ العلاقة الصورة:
ولكننا نعلم أن الطول H = 60 ذراع = 27.72 متر، عندما كان العمر = 1000 سنة.
وبالتعويض في (1) نحصل على:
وعلى ذلك تأخذ المعادلة (1) الصورة:

وكما سبق واشرنا في دراسة "عمر البشرية، ومنحنى تناقص عمر الإنسان" أن دالة التناقص ينبغي لها أن تكون دالة طبيعية، ووصلنا إلى أنها دالة أسية. فإذا غذينا العلاقة السابقة (2) بالمعادلتين (4)، (5) في تلك الدراسة، ونعيد كتابتهما هنا:

فسنحصل على دالتين شبيهتين ولكن لطول الإنسان (بحديها الأدنى والأقصى) مثلما كان لعمر البشرية حدان يمثلان الحد الأدنى والأقصى، ونتذكر أننا لم نستطع القطع بموقع الدالة الحقيقية بينهما. وسوف تكون هذه الدالة المعبرة عن الطول أيضاً طبيعية أسية، ولن تختلف عن دالة طول العمر إلا بمقدار ثابت التناسب. وعندئذ سوف تعطينا الحدود الدنيا والقصوى لما يمكن أن تنحصر بينهما الدالة الحقيقية المعبرة عن تغير طول الإنسان مع الزمن.
وبالتعويض المذكور، نحصل على معادلة تناقص طول الإنسان مع الزمن بحديها الأدنى H1(t)، والأقصى H2(t).
وإذا رسمنا هاتين المعادلتين نحصل على كيفية تغير الطول مع الزمن، في أسرع الدالتين، وأبطأهما (شكل (1)، (2)). ويكون الفرق بين الدالتين عمر البشرية في أدنى تقدير له (520 ألف سنة) أو أقصى تقدير (2.7 مليون سنة):
شكل (1)
شكل (2)
جدير بالملاحظة هنا أنه في حالة تطابق هبوط الدالتين: العمر والطول، مع الزمن سوياً، وأنهما - من ثم - لا يختلفان عن بعضهما إلا بمقدار الثابت المجرد، فالطول الذي يكافي عمراً قدره 65 سنة هجرية، أو 63.1 سنة ميلادية هو 1.756 متراً. (هذا بافتراض أن الذراع هو الذراع المصري القديم أو الشرعي حسب المذهب الحنفي، والمساوي لـ 46.2 سم.)
ولنلقي الآن نظرة على ما قالته أدبيات الدراسات الأحيائية عن علاقة حجم الجسم بطول العمر في الكائنات الحية عامة والثديية خاصة (كما هو مُشاهد في بيئتنا المعاصرة):
نقول: انتبه كثير من الباحثين إلى العلاقة بين حجم الكائن الحي وطول عمره، فنقرأ لمن يسأل ويقول(6): لماذا لا يعيش الفأر أكثر من خمس سنوات، بينما يعيش الإنسان والحوت مثلاً قريباً من 100 سنة؟
هذا وقد أثبتت الدراسات الإحصائية العديدة هذه الملاحظة الأولية، فجاءت النتائج(7) لتؤكد العلاقة الطردية بين حجم الجسم وطول العمر(حياة الإنسان life span) كما في شكل (3)، غير أن نوع التصنيف الحيواني كان عاملاً مميزاً :
شكل (3): علاقة (اللوغاريتم الطبيعي) بين وزن الجسم وطول العمر الأقصى، عبر عدد من أصناف الفقاريات.
ورغم أن حجم الجسم ليس العامل الوحيد المرتبط بطول عمر الكائن الحيواني، إلا أن ظهور الاطراد بينهما شاع بين الباحثين(8)لوفرة الأدلة الإحصائية القائمة على القياسات المعملية، ونُدرة من يطعن فيه أو غيابه. وتبرر هذه العلاقة الطردية بين العمر وحجم الجسم أن يكون آدم ونوح اللذان تخطى عمرهما 950 سنة، ذوا أحجام عملاقة في أبدانهما، وأن التشكيك في هذ الأحجام يُعدُّ تشكيكاً في طول العمر من حيث لا يدري المتشكك، ومن ثم، تشكيكاً غير مباشر في الدلالة الصريحة للنص القرآني.
ومن الدراسات أيضاً في مسألة حجم الكائن الحي تلك(9) التي سعت إلى البحث عن وجود حد أعلى لوزن الكائن الحي المتحرك تفرضه القيود الفيزيائية، والظروف البيئية: ونؤجل مناقشة هذا النوع للجزء التالي من الدراسة، والذي نطلع فيه على الطعون المُشككة في إمكانية وجود كائن حي عملاق كآدم، وذلك لأسباب فسيولوجية خاصة بوظائف الأعضاء، تحد من اطراد قدراتها دون خصائص هذا الكائن، بحسب ظن المتشككين. إلا أن الدراسات لا تؤيد هذا التشكيك.
ونستعرض الآن ما أثير من طعون على حديث طول آدم عليه السلام، ووجه الطعن فيه، ووجاهته أو هشاشته أو تهافته.
طعن "عدنان إبراهيم" في حديث طول آدم عليه السلام:
رغم أن عدنان إبراهيم قد أستدل بطول آدم (ذو الستين ذراعا)، في تبرير تنقل آدم في الأرض على نطاق واسع بفضل هذا الطول، ومن ثم سعة خطوة مشيه على الأرض وبُعد المسافات التي أمكن له أن يقطعها، وذلك في خطبة بعنوان (أصل البشرية 2 – الدقائق:7-9):https://www.youtube.com/watch?v=KPToAbhhCYk
إلا أنه في خطبة له بعنوان "مشكلتي مع البخاري"،https://www.youtube.com/watch?v=L1rZARCOevs&t=3495
يقول:(إنتقل إلى الدقيقة 58 وحتى 1:07)
ويقوم عدنان إبراهيم فيها بالطعن في حديث الستين ذراعا، ويقول: "الحافظ ابن حجر (العسقلاني) استشكل شيئاً بخصوص هذا الحديث .. قال: هذا الحديث بظاهره يخالف ما عُرف ورُئِيَ من آثار الأقوام البائدة كمساكن ثمود – عقلية علمية هنا .. – وأبنية لهم في الحجر وغيره .. قال: واضح من مساكنهم ومن آثارهم أنهم لم يكونوا أعظم منا، ولا أطول منا، (مثل ما نقول الآن: المومياءات المصرية في طولنا وأحياناً أقصر قليلاً منا ... من آلاف السنين) و(يقول الحافظ ابن حجر) أنه من مساكن ثمود، أنهم كانوا في مثل قاماتنا، على أن المسافة (الزمنية) بينهم وبين أبيهم آدم أدنى من المسافة التي بينهم وبيننا (... عقلية علمية، ثم قال الحفظ ابن حجر:)، ولم يقع لي إلى الآن ما يزيل هذا الإشكال. "(10).
نقول: نعم، استشكل ابن حجر في فتح الباري على حديث طول آدم، ورغم أن ابن حجر نفسه لم يكن هو من أثار الاستشكال، بل كان "ابن التين" (عبدالواحد السفاقسي المالكي)، كما أشار ابن حجر نفسه في كلامه، إلا أن ابن حجر لم يستطع إزالة الإشكال، واعترف أنه قد استعصى عليه.
وبعد تحليل الاستشكال كما جاء أعلى، وكما عُدنا إليه في فتح الباري، وجدنا أنه سيظل قائما مع بقاء المعلومات الآتية مُصَدقَّة جميعاً:
1- أن ثمود أقرب إلى آدم منها إلى أمة محمد صلى الله علي وسلم.2- أن أبنية الحِجْر التي نعهدها بأبوابها الصغيرة تعود إلى ثمود. (شكل (4))3- أن طول آدم ستون ذراعاً وطول الرجل من أمة محمد دون الأربعة أذرع، كما نعهد ذلك.
وإذا صدقت هذه المعلومات جميعاً، فالجمع بينها ممتنع، فلا يمكن أن يكون آدم ستون ذراعاً ويكون من بنيه في أقل من 20 قرناً "إنسانياً" فقط بعد آدم (10 قرون بين آدم ونوح، ومثلهم بين نوح وعاد كي يتهيأ من تعداد الناس ما يبلغون به أمة مثل أمة عاد)، ثم يكون طولهم مثل طولنا، ونحن الذين بيننا وبين آدم قروناً كثيرة، كما قال الله تعالى " وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا"(الفرقان:38)، وكنّا قد قدرنا في دراستنا السابقة أن عمر البشرية يُقدر بمئات الآلاف من السنين (أكثر من 500 ألف وأقل من مليونين وسبعمائة ألف)
وكان من المقبول أن تقع أطوال ثمود في منزلة بين آدم وبيننا. أما وأن أبنيتهم تقول أن أصحابها في مثل طولنا، فهذا مستحيل. وعليه لا يمكن أن تصح هذه المعلومات جميعاً. وهذا هو الإشكال الذي استعصى على ابن حجر تفكيكه، وتفنيد شيئاً منه فيذوب معه الإشكال.
موقف ابن حَجَر من الإشكال:
وجدير بالملاحظ هنا أن التصريح بالإشكال الذي أثاره الحديث لا يعني رده، بل يعني طلب علاج الإشكال. ولأن ابن حجر لم يستطع علاج الإشكال توقّف. ويشبه موقفه هنا موقف إبراهيم عليه السلام، في عدم استيعابه كيفية إحياء الله تعالى للموتى. مما جعله يطلب من ربه سبحانه وتعالى أن يزيل الإشكال من نفسه بأن يُريه كيف يحي الموتى. فأزال الله سبحانه الإشكال بأن جعله يستيقن من أن الطير التى أماتها إبراهيم بيديه وباعد بين أبعاضها، قد أحييت بندائه هو لها. فزال من نفسه الإشكال وانمحى.
موقفنا من الإشكال: (أ) على الوضع الذي تركه عليه ابن حجر، ودون أي معلومات جديدة:
سنقوم بتحليل المعلومات الثلاث، لنرى هل هي جميعاً على نفس قوة الترجيح، ومن ثم يبقى الإشكال، وهو الأمر الذي فعله ابن حجر، أم أن هناك ترجيحاً يُعلي أو يُضعف من حديث طول آدم في مقارنته مع المعلومتين (1) و (2).
(1) لم يشك ابن حجر في (أن ثمود أقرب إلى آدم منها إلى بداية أمة محمد) حين قال: [لا شك أن عهدهم قديم وأن الزمان الذي بينهم وبين آدم دون الزمان الذي بينهم وبين أول هذه الأمة]، ورغم أنه لم يبين سبب عدم تشككه في هذا، وجدنا أنه ربما استشهدت نفسه لذلك بما جاء في كتاب الله تعالى من قبيل قوله تعالى على لسان نبيه صالح لقومه ثمود: "وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ "(الأعراف:69)، ومعلوم أن نوح عليه السلام كان قريباً من آدم، وبينهما عشرة قرون "إنسانية" فقط، وأن قوم عاد جاءوا بعد قوم نوح مباشرة مصداقاً لقوله تعالى "وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ"(الأعراف:69). وأيضاً لقوله تعالى "أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ "(إبراهيم:9)، فكأن الآية قد جمعت البشرية جميعاً في ما ذكرت، فجمعت الأقوام المتتالية؛ نوح وعاد وثمود، ثم من بعدهم، فكأنه ليس هناك بين نوح وعاد وثمود أقوام أخرى، فتكون ثمود تالية لعاد(11). وعلى هذا يكون عدم تشكك ابن حَجَر في موقع ثمود من آدم وأنها أقرب إليه، مُبَرَّر كل التبرير، ولا غبار عليه.
(2) قول ابن حجر: [يُشكل علىَّ هذا ما يوجد الآن من آثار الأمم السالفة كديار ثمود فإن مساكنهم تدل على أن قاماتهم لم تكن مفرطة الطول]، وإذا بحثنا عن مصدر الثقة الذي أكد لابن حجر أن ديار ثمود هي ما عُهد في الحِجْر، فسنجد – بحسب اجتهادنا – مصدران؛
أولاً: قول الله تعالى: "وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83)"(الحِجر)، ولم نعهد في التاريخ من خالف المفسرين في قولهم أن أصحاب الحجر هم ثمود، وليس في الحجر مساكن منحوتة في الجبال إلا المساكن المعهودة التي أشار إليها ابن حَجَر (شكل (4)).

شكل (4): بعض من أبنية الحِجر التي تُنسب إلى ثمود
إلا أن من المُحْدَثين(12) من قال أن مدائن صالح (وهو الاسم الشائع حديثاً للمساكن التي تُنسب إلى ثمود) ليس المقصود من اسمها الحديث في نشأته – في القرن الثامن الهجري- نبي الله صالح، بل إن "صالح" هنا من بني العباس بن عبدالمطـلب، أما قبل ذلك فقد كان يُطلق عليها مسمى الحِجْر.
ومن الأثريين والمؤرخين من أرجع بناء و/أو سُكنى هذه المدائن إلى الأنباط، وأن منطقة الحِجْر كانت عاصمتهم الثانية – لأهميتها فى طريق التجارة القديم - بعد عاصمتهم "البتراء" بالأردن حالياً. كما أنها كانت معمورة قبلهم باللحيانيين وقبلهم بالديدانيين، وقيل أن قبلهم المعينيين. وهناك من ادعى أن ثمود كانوا في مواقع أخرى غير الحجر، مثل جبل القهر التابع لمحافظة الريث في منطقة جازان من الجزيرة العربية شمال اليمن، ومثل موقع يسمى «الدحقة» نسبة إلى دحقة الناقة وتقع في حي شعبي وسط مدينة صلالة بعمان، وأن "الناقة" حائرة في مبركها وبئرها ومحلبها بين أماكن عدة، كما أوردت ذلك جريدة عكاظ السعودية في تحقيق لها عن ذلك(13).
وخلاصة القول في أبنية ثمود في الحِجْر، أنها قابلة للتشكيك بدرجة لا تقل في أحسن أحوالها عن احتمالات التشكيك في نسبة حديث طول آدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ومما يزيد من التشكك في أن الأبنية الراهنة تعود إلى ثمود أنه حسب التأريخ الذي توصلنا إليه في دراستنا السابقة عن عمر البشرية "عمر البشرية، ومنحنى نقصان عمر الإنسان"، أنه لا بد وأن يكون قد مضى على ثمود قريباً مما مضى على آدم عليه السلام، لأن الفرق بين زمنيهما أقل من 20 ألف سنة، وحيث أننا قدّرنا لآدم عليه السلام 520 ألف سنة كحدِّ أدنى، فيكون زمن ثمود قد مر عليه 500 ألف سنة. وهذه الأبنية التي بالحِجْر لا يبدو عليها هذا الزمن الطويل، والذي لا بد وأن يترك عليها أثاراً واضحة من عوامل التعرية الشديدة. لذا فإن كانت هذه الأبنية لثمود فلا بد وأن تكون قد تعرضت لتعديلات جمة من الحضارات التي تتالت عليها عبر هذا التاريخ الطويل، ويشمل ذلك فتحات الأبواب، وربما الواجهات ذاتها! والنتيجة أن الاحتجاج بهذه الأبنية ليس من القوة بما يكفي وحده لرد حديث طول آدم ذو الستين ذراعا. – ونفس الشيء يقال على أبنية الفراعنة وأجسادهم التي احتج بها عدنان إبراهيم في نفس السياق حين قال: (المومياءات المصرية في طولنا وأحياناً أقصر قليلاً منا ... من آلاف السنين) لأن المسألة لم تعد تقاس بآلاف السنين، بل بمئات الآلاف من السنين. ولو كنا مكان "ابن حَجَر"، لكُنَّا قد استقوينا بالحديث وتشككنا في صحة نَسَب هذه الأبنية بفتحات أبوابها إلى ثمود قوم صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، لا العكس. .. إلا أن هناك أثر أخير حول ناقة صالح جدير بأخذه بالاعتبار، نورده الآن.
ثانياً: أنه في (غزوة تبوك، وعند مرور النبي والمسلمين بالحِجْر)، أورد البخاري – من بين عدة أحاديث - حديثاً عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جاء متنه كالآتي: [أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض ثمود الحجر فاستقوا من بئرها واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا من بئرها وأن يعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة] وقال ابن حجر في فتح الباري: [تضمنت هذه الرواية زيادة على الروايات الماضية (يقصد الأخرى) وسئل شيخنا الإمام البلقيني من أين علمت تلك البئر (أي أنها للناقة دون الأخرى التي نهى عنها) فقال بالتواتر .. انتهى. والذي يظهر أن النبي صلى الله عليه و سلم علمها بالوحي.]
نقول: هذا الحديث – إذا سلم متنه بما فيه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقاء من البئر التي كانت تردها الناقة - أقوى الأدلة على أن الحِجْر هو موطن قوم صالح عليه السلام. وفي أحسن الأقوال، لا يدل ذلك إلا على أن هذا الموطن هو لثمود، وتلك البئر هي بئر ناقة صالح. وليس في ذلك دليل على أن الآثار المرئية من أبنية هي هي ما تركه الثموديون كما كانت في أيامهم. ويتقوى ذلك بما دللنا عليه بطول الزمن الذي مر بعد ثمود. فلا يَمتنع أن تكون الأقوام التي سكنته لاحقاً (الأنباط - اللحيانيين – الديدانيين – المعينيين ...!!!) قد أعادت بناء ما تركه الثموديون بما يناسب حاجاتهم. خاصة وأن "أصحاب الحِجْر" الذين ذكرهم القرآن قد يكونوا من تلك الأقوام اللاحقة، إن لم يكونوا الثمودييين أنفسهم، وهذا لا دليل على بطلانه، ومعلوم أنهم أيضاً كانوا ينحتون الجبال كما نص القرآن على ذلك، فالأمر فيه مُتَّسع من التأويل، ويحتمل قبول حديث طول آدم بما لا يتعارض مع أصول هذه الروايات. ومعلوم أن الجمع بين النصوص أولى من ضربها ببعض.
(ب) يعود هذا الإشكال من جهة أخرى إلى توهم قرب المسافة الزمنية بين آدم وبيننا، والتي كان للإسرائيليات دورٌ فيها في تقديرها بأنها حوالي 7000 سنة. فإذا كانت ثمود في منتصف هذه الفترة، وأطوالهم مثلنا، فحتماً هناك إشكال.
ويشبه هذا الإشكال إشكال بُعد النجوم على الأرض ولكن من جهة المسافات وليس الأزمان. إذا لو كانت الأرض تتحرك، والنجوم قريبة كما كان يُظن قديماً، لوجب أن نرى النجوم وقد تبدلت المسافات بينها بسبب ظاهرة (اختلاف المنظر parallax)، ولكننا لا نرى مواقع النجوم تتغير، فاستبعد القدماء، من ثمَّ، حركة الأرض لهذا السبب. والحقيقة أن النجوم بعيدة جداً جداً، ولهذا، فهي تختلف في مناظرها بالفعل بسبب حركة الأرض، ولكن لكونها سحيقة في بعدها، فهذا الاختلاف معدوم لحاستنا البصرية (وإن كانت الأرصاد الحديثة تراه بوضوح). وكذلك زمن آدم عليه السلام، ... فلأنه أبعد كثيراً كثيراً من بضعة آلاف سنة (مئات الآلاف من السنين)، فالذين عاشوا قبل بضعة آلاف سنة لم يختلفوا عنا في الطول بشكل يمكن ملاحظته (راجع منحنى تناقص الطول).
موقف عدنان ابراهيم من الإشكال:
أما عدنان إبراهيم، فقد خطى في خطبته "مشكلتي مع البخاري" خطوة أبعد من استشكال "ابن حَجَر" في شرحه على البخاري، بعدما مهد بما نقله عنه طريق طعنه في حديث طول آدم، وقطع قطعاً باتاً بأن الإشكال لا يمكن أن يسقط إلا برد حديث الستين ذراعا. ومن ثم قطع بأنه حديث باطل. وهو حكم استلزم منه تصديقه الكامل للمقدمتين الأولتين (الأولى التي تقول بـ أن منزلة ثمود الزمنية أقرب لآدم من أمة محمد صلى الله عليهما وسلم، وهذه لا نختلف معه عليها، والثانية القائلة بـ أن أبنية الحِجر بهيئتها لثمود، وهذه التي لا نرى مُوجباً لها).
غير أن الإنصاف يلزمنا الانتصار لكل مسلم نجد له من العذر ما يناصره، مثلما نتأول الحديث بما يُبقيه. وقد وجدنا أن عدنان إبراهيم لم يبنِ حكمه فقط على ما توفر من مقدمات لابن حجر. بل أنه قد جمع من المعلومات الجديدة التي رجَّحت عنده استشكال عين الحديث من أبواب أخرى، وقد كشف عنها بنفس الخطبة ببيان واضح دون أي مواربه، فلنسمعه يسرد تلك المعلومات الجديدة وكيف أنه ارتأى أنها من القوة بما تُلزمه برد الحديث والحكم ببطلانه.
يُتابع عدنان إبراهيم في خطبته (الفيديو السابق) فيقول: "إسمعوا الآن كيف سأشكل على هذا الحديث من باب آخر بطريقة علمية. هذا الحديث لو سمعه أي عالم متمرس في علم الأحياء، سيردُّه مباشرة، ويقول: أنتم قوم تهرفون بما لا تعرفون. تعرفون لماذا؟ سأوضح هذا. .. . (هناك) قانون في علم الأحياء (يقول) الزيادة في وزن الجسم الحي المخلوق، تتناسب طردياً مع مكعب ... الزيادة في أبعاده الخطية، ... ولكن الزيادة التي يكتسبها الجسم؛ الهيكل، بالذات الهيكل العظمي – مقطع العظم – لمقاومة الثقل والوزن تتناسب تتناسب مع مربع الزيادة في أبعاده الخطية؛ بمعنى ... آدم خلقه الله وطوله ستون ذراعاً ... في المتوسط – بين الذراع الشرعية والذراع الهاشمية – 30 متراً، يعني تقريباً أزيد منا بنحو 20 مرة. الآن، (إذا) ضوعف حجمه عشرين ضعفاً
400 مرة والوزن 8000 مرة، حتماً يقول لك أي عالم في البيولوجي: مستحيل أن يُخلق هذا الخلق على الكوكب الأرضي، لماذا؟ - لأنه سينهار مباشرةً تحت ثقله ووزنه!!! بالقانون. .. يستكمل ... تابع لاحقاً"
عم يتكلم عدنان إبراهيم هنا؟
إنه يتكلم عما يُسمى تضخم الأنظمة في الأبعاد المكانية Scaling، ومنها الأجسام، كل الأجسام، حية كانت أو ميتة. أوليس الكلام مُنصبّاً على حجم آدم عليه السلام، فهيئة آدم بالنسبة لهيئة الإنسان اليوم هو تضخم في الصورة المجسمة. أي أننا لو أعدنا الخط الزمني من الحاضر إلى الماضي حتى نصل إلى زمن آدم، لكان هذا الانتقال ليس إلا تضخماً لحجم الإنسان من طوله الحالي (3 أو 3.8 أذرع) إلى (60 ذراعا)، ويقال مثل ذلك في العرض والسَمك.
فيقول أن الطول إذا زاد بنسبة (ل) فإن الحجم لا بد أن يزداد بنسبة (ل * ل * ل)، وهذا لا خلاف عليه، حيث أننا إذا كان لدينا متوازي مستطيلات أبعاده (طول، عرض، ارتفاع) = (2،3،5)
ومن ثم يكون حجمه = 2*3*5= 30
فلو زاد كل من أبعاده إلى ضعف قيمته الأولى، أي (2) فستكون أبعاده الجديدة = (4،6،10)
ويكون حجمه = 240
ومن الواضح أن النسبة بين الحجم الجديد (أي 240) والحجم القديم (أي 30) هي (2*2*2) أي (8) أضعاففإن كانت ل = 20 ضعفاً – كما قال فيما يخص آدم- فالحجم سيزداد (20*20*20) = 8000 مرة. وحيث أن الوزن هو ضرب الحجم في الكثافة، فلا بد أن الوزن المتضخم سيكون 8000 مرة قدر الوزن الأول لأنه افترض أن الكثافة ثابتة لغياب الداعي إلى التشكك فيها.
وهنا عدد من الملاحظات والإشكالات حتى هذه المرحلة من كلام عدنان إبراهيم:
1- قوله [(هناك) قانون في علم الأحياء (يقول) الزيادة في وزن الجسم الحي المخلوق، تتناسب طردياً مع مكعب ... الزيادة في أبعاده الخطية] غير صحيح في قَصْر القانون على الجسم الحي المخلوق، فالقانون صحيح لأي نظام، وأشهرها الأجسام المكانية، طالما أنه قابلاً للتضخم أو التقلص، حتى أن ذلك يشمل ما وراء الأجسام الميتة والحية، ومنها أنظمة شبكات الحواسيب، بل والبرمجيات والمعلومات، بل والخدمات العامة لدولة من الدول يتضخم تعداد سكانها أو يتقلص، ومن ثم في التخطيط الحضري، بل وحجم الشركات والمؤسسات والجمعيات والاتحادات ..... وتكاد لا تنتهي القائمة من هذه الأنظمة الخاضعة لهذا القانون.
2- أن هذا القانون ليس صلباً جامداً كما قيل من أن نتاجه يكون بمجرد تكعيب الطول أو تربيعه حسبما تتعلق الصفة المطلوبة بثلاثة أبعاد أو بعدين. فهذا التكعيب والتربيع يكون فقط في أبسط أنواع التضخم، ويسمى بالتضخم المتجانس isometric scaling، وهو حالة خاصة ونادرة! أما القانون الأصوب، وبالأخص في تطبيقاته في علم الأحياء فهو الأعم، ويُسمّى التضخم غير المتجانس allometric scaling، أي التي تتضخم أبعاده المختلفة بنسب مختلفة.
3- أن هذه الأفكار البسيطة في مسألة تضخم الأجسام بغض النظر عن نوعها وردت في صورة قانون يُنسب إلى "جاليليو جاليليGalileo Galilei في كتابه الشهير "حول علمين جديدين" Two New Sciences والمنشور سنة 1638، وقد سُمِّي القانون "قانون التربيع والتكعيب"(14) square-cube law. والقانون يقول في أبسط معانيه أنه مع تزايد أبعاد الجسم يكون معدل الزيادة في حجمه أسرع كثيراً من معدل الزيادة في مسطحاته. ولهذه الملاحظة تبعيات هامة، خاصة في علم الهندسة الميكانيكية والميكانيكا الحيوية biomechanics.
4- أن هذه الأفكار التبسيطية في مسألة أحجام الأحياء والعلاقة بين صغيرها وكبيرها وردت أول ما وردت في مقال بعنوان: "حول أنسب الأحجام في الكائن الحي"(15) On Being the Right Size في مارس سنة 1926 لصاحبها جون هالدين(16)J. B. S. Haldane، وذلك ضمن كتاب يضم مجموعة مقالات له. وقد نشر بعنوان "العوالم المحتملة ومقالات أخرى"Possible Worlds and Other Essays. وكان غرض المقال بيان أن الأنظمة الحيوية في الكائن الحي تتعين بحجمه في المكان؛ صغيراً كان أو كبيرا.
5- إذا كانت نسبة المضاعفة بين الإنسان المعاصر وآدم عليه السلام 20 ضعفاً، يقول عدنان إبراهيم: [كم سيتضاعف وزن آدم؟ التناسب هنا مع المكعب: 20 * 20 * 20 أي 8000 مرة!!! (و) هيكله العظمي، كم سيتضاعف كي يحتمل هذا الثقل الزائد؟ (لاحظ أنه) مع المربع وليس مع المكعب، (أي) 20*20، أي 400 مرة! ... 400 مرة والوزن 8000 مرة، حتماً يقول لك أي عالم في البيولوجي: مستحيل أن يُخلق هذا الخلق على الكوكب الأرضي، لماذا؟ - لأنه سينهار مباشرةً تحت ثقله ووزنه!!! بالقانون.]
نشرح أولاً مقصده من علاقة التربيع وعلاقته بقدرة تحمل الهيكل العظمي. (شكل (5))

ئشكل (5)
إذا كان طول الإنسان المعاصر (ل) ووزنه (ن) ومساحة سطح عظمة ساق أحد القدمين (س)
فلو أن الطول زاد 20 ضعفاً لأصبح طول آدم (20 ل)، ومثله العرض والعمق.
ولأن الوزن هو (طول * عرض * عمق * كثافة لم تتغير) فسيزداد وزنه ويصبح ( 8000 ن)
ولأن كل من العرض والعمق زاد بنفس الاستطالة ستصبح مساحة مقطع الساق ( 400 س)
والان نتساءل لاستجلاء المسألة: إذا كان هذا الكائن العملاق الافتراضي (آدم ذو الستين ذراعاً طولاً) سينهار – بحسب عدنان إبراهيم – بسبب تضخمه فقط بهذه النسب، فلا بد أن ينهار كل كائن يتعرض لنفس معدلات التضخم!
ولكننا نعلم أن من الكائنات ما يوجد منه أنواع بينها من النسب الحجمية ما يقارب نسبة العشرين ضعفاً في الاستطالة وأحياناً يزيد عن ذلك، ومن ثم مضاعفة الوزن قريب من عدة آلاف ومضاعفة المساحات المقطعية لعدة مئات. وفي شكل (6) مثال لسلاحف بينها هذه النسب وما زالت على قيد الحياة(17).

شكل (6)
6- ويدلنا مثال السلاحف في شكل () على دلالتين: الأولى أن هناك نسبة في الطول تزيد عن 20 ضعف، مثل تلك التي أرهبت عدنان إبراهيم، ولكنها لم تستدع بالضرورة أن يتزايد الحجم بنسبة التكعيب، والمساحات بنسبة التربيع. حيث أن نسبة الطول = 180/ 8= 22.5 ضعفاً، ونسبة الوزن = 400000/ 130 = 3077 ضعفاً. ولو طبقاً قانون التكعيب لكانت نسب الأوزان = (22.5)3 = 11390. وكم هو الفرق شاسعاً بين 3000 و 11000. والسبب أن عدنان إبراهيم قد قيد نفسه بالتضخم المتجانس isometric scaling. وهو أمر نادر الحدوث، والغالب على علاقة الكائنات الحية إذا اختلفت أحجامها أن تتبع قانون التضخم أو التقلص اللامتجانس allometric scaling، وفيه تتعدل النسب جميعاً بما يوافق وظائف الأعضاء في آدائها الأمثل. فالعلاقة ليست تكبير وتصغير ساذج كما نفعل نحن بكاميراتنا وأجهزة الحاسوب (zoom out/in)، بل بالحجم الأمثل لعضو الكائن الحي الذي يتفق مع غيره من الأعضاء في انسياب العضو لأداء وظائفه بأعلى قيمة وظيفية.
ولنا أن نتخيل أحد تلك السلاحف الرقطاء الصغيرة، من جنوب أفريقيا، وقد أخذ حظأ من العلم، وجاءه خبر صادق بأن الأرض التي يعيشون عليها، بها سلاحف أخرى تصل في طولها عن 22.5 ضعف ما هو وقبيلته من طول، فقام خطيباً في السلاحف يرعد ويتوعد بإسم العلم ويقول: لو أن هذا صحيحاً لكانت في أوزانها تصل إلى (22.5)3، أي إلى 11390 ضعف ما نحن عليه، ومستحيل أن يتحمل هيكل عظمي هذا الوزن. ومن قال هذا فلا بد أنه يهرف بما لا يعلم!!!!
ولكننا نعلم أن هذه السلحفاة مخطئة، وكذلك عدنان إبراهيم!!!
ونتيجة ما سبق، لا يلزمنا أن تكون نسب أعضاء آدم إلى بعضها كما هي عليه للإنسان المعاصر. ويظهر من شكل (7) النسب المعيارية لجسم الإنسان الآن(18)، وفيها يُنسب طول كل عضو إلى الطول الكلي
اسم الطالب مقدم البحث/ عبدالله الرفيعي
طول آدم والإنسان، ومنحنى نقصانه مع الزمان، والرد على عدنانThe Height of Adam, the Decline of Human Height, and Answering Adnan Ibrahimعزالدين كزابر

Key Words: Human Height, Gigantism, Giant Humans, Allometric Scaling, Senescence, Macroecology, Phylogeny, Megafauna,
هنا تجد: تهافت محمد شحرور في تفنيده لطول عمر نوح عليه السلام والرد عليهوهنا تجد: علاقة حجم الجسم بمرور الزمن على الكائن الحي [ يومٌ - مقداره ألف سنة ! .. فما هو؟وهنا تجد نقداً عبثياً لهذه الدراسة والرد عليهمقدمـــــــة إذا كان عمر آدم عليه السلام ألف سنة، وعمر نوح عليه السلام يزيد عن 950 سنة. وكانت أعمار ذريتهما من بعدهما تقدر بمئات السنين وعلى مدارعمر البشرية الذي قدرناه في دراستنا السابقة " عُمْر البشرية، ومنحنى نقصان عُمْر الإنسان! " بمئات الآلاف من السنين (520 ألف – 2.7 مليون)، وعلى نحو ما رأينا في منحنى نقصان عمر الإنسان. فالسؤال الآتي يفرض نفسه:
هل يلزم عن طول عمر آدم وذريته أن يكون أطوالهم وصفاتهم البدنية على ما غير ما نعهده الآن؟ أم أن طول العمر وهيئة الجسم مسألتان منفصلتان ولا علاقة بينهما؟
نقول: إن ما نشاهده من عدم تحمل بدن الإنسان المعاصر إلا قليلاً من السنوات المعدودة وراء المئة في أقصى ما يتحمله بفعل الشيخوخة، أمرٌ لا يمكن الفكاك منه. بمعنى أنه من المستحيل – على ما تؤكده الشواهد - أن يكون الإنسان الأول ذا عمر يتجاوز المئات من السنين، ويصل إلى الألف في بواكيره، ثم يكون بدنه مماثل لبدنه الحالي. وتُفضي هذه الاستحالة إلى ضرورة أن يواكب طول عمر الإنسان الأول بدناً يتحمل هذه الحياة الطويلة.
ويتسق هذا التوقع كل الإتساق مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي قال فيه أن طول آدم كان ستون ذراعا في السماء. كما يتسق أيضاً مع الدراسات الحديثة التي تربط بين عمر الكائنات الحية وأحجامها، وأن الأكبر حجماً منها أطول عمرا، وأن الأطول عمراً لا بد وأن يكون ذا حجم أكبر يدعم طول العمر، ويتحدّى موانع البقاء لفترات زمنية أبعد كثيراً مما نألفه. بمعنى أن كِبر الحجم أصبح لازمة من لوازم طول العمر، وطول عمر الإنسان الأول – كما هو معلوم - قد استمد يقينه من يقين النص القرآني.
وعلى ذلك سيكون أمامنا مساران مفهوميان:
الأول، ما تؤدي إليه استنباطاتنا من طول عمر الإنسان الأول – كما نص على ذلك القرآن يقيناً - وطول بدن آدم – كما نص عليه القرآن ترجيحا من جهة، والحديث النبوي (في أضعف الأقوال) من جهة اخرى- والعلاقة بين تناقص كل من العمر والطول مع الزمن. وهذا هو المسار النقلي الاستنباطي
الثاني: ما تشير إليه الدراسات الحديثة من علاقة بين الأعمار القصوى life spans للكائنات الحية المختلفة، وأحجام أبدانها عند البلوغ. ثم ما يلحق بذلك مما سجله التاريخ من شهود عيان وحفريات. وهذا هو المسار الرصدي الاستدلالي.
المعالجة التحليلية للمسألة:سنبدأ معالجتنا للمسألة بالمسار النقلي الاستنباطي، وحيثما تعرض لنا مواقف تتطلب استحضار معلومات واقعية، سنعمد إلى مواجهتها بما تحمله من أدلة رصدية استدلالية، فتتقاطع الأدلة من كلا المسارين بما يهذب آليات الاستنباط والاستدلال في كليهما إذا سلمت المصادر بنوعيها.
فنقول: شهدنا في دراستنا السابقة " عُمْر البشرية، ومنحنى نقصان عُمْر الإنسان! " كيف استنبطنا دالة تغير عمر الإنسان، منذ آدم عليه السلام. وكيف أن نقصان العمر كان حَتْماً محتوماً خطاه الإنسان وما يزال، وحتى ينتهي وجود البشرية على الأرض، حتى وإن تطلب الأمر تنقيح صورة الدالة التي حصلنا عليها، والذي سيكون عندئذ اختلافاً في الدرجة وليس اختلافاً في وجاهة التفسير، إلا منْ عاند النص الإلهي، والذي سيخرج بالضرورة من دائرة الحوار العلمي الذي نحن بصدده، والذي يقتصر على المؤمنين بوجود إعمال النص الإلهي في كل مسألة تعرض لنا. غير أنه بمقدور مَنْ وراء ذلك - إن شاء - أن يعتبر ما نؤمن به عندنا فَرَضيات علمية عنده، فيختبرها إن شاء بما يلزم عنها، ولن نمانعه في مداخلاته في مسائلنا إن التزم بعدم التحكم والمصادرة، أو الانتقاص والمكابرة.
وبعد اعتماد النص القرآني كمصدر أول في المسألة وما يحمله من درجة اليقين، سيلحقه تأويل عدد من الآيات في شأن قوم عاد، وعلى نحو ما سنراه لاحقاً، ثم يأتي الحديث النبوي الشهير (القائل بأن طول آدم كان ستون ذراعاً)، والمروي في الصحيحين، والذي يفضي بالضرورة – بعد سلامة متنه – إلى نقصان طول الإنسان عبر نفس التتابع الزمني الذي قطعه العمر في تناقصه.
رغم أن القرآن لم ينص صراحة على طول آدم، إلا أن عدداً من الآيات قد استلزم هذا الطول المفرط له ولأبنائه الأقرب إليه فالأقرب. وذلك على الترتيب التالي بحسب تقدير قوة هذا الاستلزام:
1- قول الله تعالى "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا"(العنكبوت:14)، ومنه أن مُكث نوح عليه السلام في قومه أكثر من 950 سنة يستلزم أنه كان ذا بدن يتحمل هذا العمر، وذلك باعتبار أن هذا العمر المديد لم يكن معجزة خاصة بنوح، بل أنه خصيصة في الخلق بدأت في آدم وتتالت في أبنائه، وأن تناقص العمر كان بتقدير الله عز وجل مع الزمان.
2- قول الله تعالى عن قوم عاد: " كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20)"(القمر)، وقال سبحانه: "سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ (أي: الريح) سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7)"(الحاقة). ومعلوم أن قوم عاد كانوا أول الأقوام التي أتت بعد الطوفان، كما يُفهم من قول الله تعالى "وَاذْكُرُوا (المخاطَبين هم عاد قوم هود) إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ "(الأعراف:69)، وأن بين نوح وآدم عشرة قرون إنسانية كما جاء في الحديث. والشاهد هنا أن وصف عاد – حين نزل بهم عذاب الله تعالى- بأنهم " أَعْجَازُ نَخْلٍ " لا يستقيم مع أجساد البشر المعهودة لنا الآن. فالنخل التام النمو في الصحاري شبه الاستوائيةsubtropical deserts والتي منها المنطقة العربية، – وخاصة من نوع(1) Phoenix. dactylifera - يصل في أقصى أطواله إلى ما بين 60 و 80 قدما، أي ما بين 18 إلى 24 متراً وربما أزيد(2). وهذه الأطوال تستقيم تماماً مع طول آدم البالغ 28 متراً (60 ذراعا) وبما يُعبِّر عن تناقص الطول بين آدم وعاد. ومن ثم يكون من فوائد الآيات هنا أن أطوال قوم عاد كانت بهذه الأبعاد الشبيهة بأبعاد النخل.
3- قول الله تعالى (عن قوم موسى حين أمرهم بدخول الأرض المقدسة وتمنُّعهم): " قَالُوا (أي: قوم موسى) يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ "(المائدة:22)، قال الطبري في تفسيره: "سموهم"جبّارين لأنهم كانوا لشدة بطشهم وعظيم خلقهم، فيما ذُكِر لنا، قد قهروا سائر الأمم غيرهم."، وهي أوصاف تسير جنباً إلى جنب مع وصف آخر لقوم عاد جاء في كتاب الله تعالى هو " وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ "(الشعراء:130). وهذه الأوصاف تميز الأقدمين عن المتأخرين في البنية الجسدية ومن ثم القوة، لذا نقرأ أيضاً في كتاب الله تعالى " أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا "(الروم:9).
غير أن التمييز هنا واجب بين "الجبارين" الذين تكلم عنهم قوم موسى، وكانوا يُسمُّون في الأدبيات التاريخية بـ "العماليق"، وكانوا يقطنون بعض الأماكن العربية(3) وربما أماكن أخرى لا نعلمها، هذا من جهة، وبين قوم عاد من جهة ثانية. فقوم عاد كانوا تالين لنوح عليه السلام، ومن ثم كانت أعمارهم قريبة من عمر نوح أو أقل نسبياً، وقد شبَّهت الآيات هيئهم بهيئة النخل لطول خِلقتهم. أما الذين وصفهم قوم موسى بالجبارين، أي العماليق، فهم معاصرون لموسى عليه السلام، والغالب أنهم من ذرية أقوام إنسانية كبيرة الأجسام، غير أنها كبيرة بالنسبة للإنسان المعاصر فقط ولا يقارنون بقوم عاد، الذين كانوا بعيدين عنهم كثيراً، ومن أمثلة العماليق "جالوت"(4) Goliath، وقد جاء عنه في كتاب الله قوله تعالى "فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ...(251)"(البقرة)، ومن المؤكد أن طالوت(5) King Saul– وهو الملك الذي ملكه الله على بني إسرائيل قبل داوود كما جاء بالآيات الكريمات أعلى، وأنه كان طويلاً، وربما أن لهذه الصفة ارتباطٌ باسمه "طالوت" من حيث أن له اشتقاقاً من "الطول"، فقد قال الله تعالى فيه "وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِوَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) "(البقرة).
4- حديث النبي صلى الله عليه وسلم، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: [خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا. قال: اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك. فقال: السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورته فلم يزل ينقص الخلق حتى الآن] (متفق عليه – أي على صحته في مسلم والبخاري).
وهذا الحديث يُعَيِّن قدر طول آدم تعييناً تاماً. وهو صحيح سنداً بلا مراء. ولا يمكن الطعن فيه إلا من جهة المتن. ولا يمكن أن يهتز الحديث إلا بأدلة دامغة وتستند إلى أدلة حسية عينية. فإذا داخل تلك الأدلة المُشكِّكة الاحتمال سقطت. لأن الحديث يبقى صحيحاً ولو بأقل احتمال. ولا ينتفي مدلول متنه إلا بسيادة دليل النفي.
وجدير بالاعتبار في هذا الحديث أنه يعين النسبة بين طول آدم وما نعهد من طول الإنسان، وهي 60 ذراعاً إلى 3.8 ذراعاً. أي 16 ضعفاً تقريباً، (الذراع = 24 أصبعاً = 46 سم). وهذه النسبة هي هي النسبة بين طول عمر آدم، أي 1000 سنة، و65 سنة هجرية، (وهي طول العمر المتوسط لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث آخر). وعلى ذلك تكون النسبة الأخيرة 1000/63.1 = 16 تقريباً.
تحليل العلاقة بين تناقص العمر وتناقص الطول، منذ آدم وحتى أمة محمد صلى الله عليه وسلم:الجدير بالملاحظة أن آدم كان عمره 1000 سنة وطوله 28 متراً تقريباً، وأن الإنسان المعاصر (مثلهم مثل أمة محمد صلى الله عليه وسلم) عمره 65 سنة وطوله (المتوسط على مستوى العالم) 1.62 متر. ولا يمكن إهمال الارتباط بين طول العمر وطول الجسم. وكونهما مرتبطان.
وهذا الارتباط بين العمر وطول الجسم (المستخرج من المصادر الشرعية) يقول بأن هذا الارتباط (شبه) تام. وقد توخينا الحذر من القول بأنه تام، إتاحة لفرصة دخول هامش من الحرية لما قد يستجد من معلومات.
فإذا افترضنا مبدئياً أن الارتباط تام، فهذا يعني أن دالة التناقص في العمر A(t) تتناسب مع دالة التناسب في الطول H(t)، فإذا كان العمر طويلاً في الزمن (t) المقاس من بداية البشرية، فطول الجسم سيكون مفرطاً في نفس الزمن (t). وإذا كان العمر قصير، فالطول أيضاً قصير. وتكتب هذه العلاقة على الصورة:

حيث تعني هذه العلامة
وعادة يُزال هذا التناسب ويستبدل به علامة التساوي ويتم إدخال ثابت للتناسب، فتأخذ العلاقة الصورة:

ولكننا نعلم أن الطول H = 60 ذراع = 27.72 متر، عندما كان العمر = 1000 سنة.
وبالتعويض في (1) نحصل على:
وعلى ذلك تأخذ المعادلة (1) الصورة:
وكما سبق واشرنا في دراسة "عمر البشرية، ومنحنى تناقص عمر الإنسان" أن دالة التناقص ينبغي لها أن تكون دالة طبيعية، ووصلنا إلى أنها دالة أسية. فإذا غذينا العلاقة السابقة (2) بالمعادلتين (4)، (5) في تلك الدراسة، ونعيد كتابتهما هنا:

فسنحصل على دالتين شبيهتين ولكن لطول الإنسان (بحديها الأدنى والأقصى) مثلما كان لعمر البشرية حدان يمثلان الحد الأدنى والأقصى، ونتذكر أننا لم نستطع القطع بموقع الدالة الحقيقية بينهما. وسوف تكون هذه الدالة المعبرة عن الطول أيضاً طبيعية أسية، ولن تختلف عن دالة طول العمر إلا بمقدار ثابت التناسب. وعندئذ سوف تعطينا الحدود الدنيا والقصوى لما يمكن أن تنحصر بينهما الدالة الحقيقية المعبرة عن تغير طول الإنسان مع الزمن.
وبالتعويض المذكور، نحصل على معادلة تناقص طول الإنسان مع الزمن بحديها الأدنى H1(t)، والأقصى H2(t).
وإذا رسمنا هاتين المعادلتين نحصل على كيفية تغير الطول مع الزمن، في أسرع الدالتين، وأبطأهما (شكل (1)، (2)). ويكون الفرق بين الدالتين عمر البشرية في أدنى تقدير له (520 ألف سنة) أو أقصى تقدير (2.7 مليون سنة):
شكل (1)
شكل (2)
جدير بالملاحظة هنا أنه في حالة تطابق هبوط الدالتين: العمر والطول، مع الزمن سوياً، وأنهما - من ثم - لا يختلفان عن بعضهما إلا بمقدار الثابت المجرد، فالطول الذي يكافي عمراً قدره 65 سنة هجرية، أو 63.1 سنة ميلادية هو 1.756 متراً. (هذا بافتراض أن الذراع هو الذراع المصري القديم أو الشرعي حسب المذهب الحنفي، والمساوي لـ 46.2 سم.)
ولنلقي الآن نظرة على ما قالته أدبيات الدراسات الأحيائية عن علاقة حجم الجسم بطول العمر في الكائنات الحية عامة والثديية خاصة (كما هو مُشاهد في بيئتنا المعاصرة):
نقول: انتبه كثير من الباحثين إلى العلاقة بين حجم الكائن الحي وطول عمره، فنقرأ لمن يسأل ويقول(6): لماذا لا يعيش الفأر أكثر من خمس سنوات، بينما يعيش الإنسان والحوت مثلاً قريباً من 100 سنة؟
هذا وقد أثبتت الدراسات الإحصائية العديدة هذه الملاحظة الأولية، فجاءت النتائج(7) لتؤكد العلاقة الطردية بين حجم الجسم وطول العمر(حياة الإنسان life span) كما في شكل (3)، غير أن نوع التصنيف الحيواني كان عاملاً مميزاً :
شكل (3): علاقة (اللوغاريتم الطبيعي) بين وزن الجسم وطول العمر الأقصى، عبر عدد من أصناف الفقاريات.ورغم أن حجم الجسم ليس العامل الوحيد المرتبط بطول عمر الكائن الحيواني، إلا أن ظهور الاطراد بينهما شاع بين الباحثين(8)لوفرة الأدلة الإحصائية القائمة على القياسات المعملية، ونُدرة من يطعن فيه أو غيابه. وتبرر هذه العلاقة الطردية بين العمر وحجم الجسم أن يكون آدم ونوح اللذان تخطى عمرهما 950 سنة، ذوا أحجام عملاقة في أبدانهما، وأن التشكيك في هذ الأحجام يُعدُّ تشكيكاً في طول العمر من حيث لا يدري المتشكك، ومن ثم، تشكيكاً غير مباشر في الدلالة الصريحة للنص القرآني.
ومن الدراسات أيضاً في مسألة حجم الكائن الحي تلك(9) التي سعت إلى البحث عن وجود حد أعلى لوزن الكائن الحي المتحرك تفرضه القيود الفيزيائية، والظروف البيئية: ونؤجل مناقشة هذا النوع للجزء التالي من الدراسة، والذي نطلع فيه على الطعون المُشككة في إمكانية وجود كائن حي عملاق كآدم، وذلك لأسباب فسيولوجية خاصة بوظائف الأعضاء، تحد من اطراد قدراتها دون خصائص هذا الكائن، بحسب ظن المتشككين. إلا أن الدراسات لا تؤيد هذا التشكيك.
ونستعرض الآن ما أثير من طعون على حديث طول آدم عليه السلام، ووجه الطعن فيه، ووجاهته أو هشاشته أو تهافته.
طعن "عدنان إبراهيم" في حديث طول آدم عليه السلام:
رغم أن عدنان إبراهيم قد أستدل بطول آدم (ذو الستين ذراعا)، في تبرير تنقل آدم في الأرض على نطاق واسع بفضل هذا الطول، ومن ثم سعة خطوة مشيه على الأرض وبُعد المسافات التي أمكن له أن يقطعها، وذلك في خطبة بعنوان (أصل البشرية 2 – الدقائق:7-9):https://www.youtube.com/watch?v=KPToAbhhCYk
إلا أنه في خطبة له بعنوان "مشكلتي مع البخاري"،https://www.youtube.com/watch?v=L1rZARCOevs&t=3495
يقول:(إنتقل إلى الدقيقة 58 وحتى 1:07)
ويقوم عدنان إبراهيم فيها بالطعن في حديث الستين ذراعا، ويقول: "الحافظ ابن حجر (العسقلاني) استشكل شيئاً بخصوص هذا الحديث .. قال: هذا الحديث بظاهره يخالف ما عُرف ورُئِيَ من آثار الأقوام البائدة كمساكن ثمود – عقلية علمية هنا .. – وأبنية لهم في الحجر وغيره .. قال: واضح من مساكنهم ومن آثارهم أنهم لم يكونوا أعظم منا، ولا أطول منا، (مثل ما نقول الآن: المومياءات المصرية في طولنا وأحياناً أقصر قليلاً منا ... من آلاف السنين) و(يقول الحافظ ابن حجر) أنه من مساكن ثمود، أنهم كانوا في مثل قاماتنا، على أن المسافة (الزمنية) بينهم وبين أبيهم آدم أدنى من المسافة التي بينهم وبيننا (... عقلية علمية، ثم قال الحفظ ابن حجر:)، ولم يقع لي إلى الآن ما يزيل هذا الإشكال. "(10).
نقول: نعم، استشكل ابن حجر في فتح الباري على حديث طول آدم، ورغم أن ابن حجر نفسه لم يكن هو من أثار الاستشكال، بل كان "ابن التين" (عبدالواحد السفاقسي المالكي)، كما أشار ابن حجر نفسه في كلامه، إلا أن ابن حجر لم يستطع إزالة الإشكال، واعترف أنه قد استعصى عليه.
وبعد تحليل الاستشكال كما جاء أعلى، وكما عُدنا إليه في فتح الباري، وجدنا أنه سيظل قائما مع بقاء المعلومات الآتية مُصَدقَّة جميعاً:
1- أن ثمود أقرب إلى آدم منها إلى أمة محمد صلى الله علي وسلم.2- أن أبنية الحِجْر التي نعهدها بأبوابها الصغيرة تعود إلى ثمود. (شكل (4))3- أن طول آدم ستون ذراعاً وطول الرجل من أمة محمد دون الأربعة أذرع، كما نعهد ذلك.
وإذا صدقت هذه المعلومات جميعاً، فالجمع بينها ممتنع، فلا يمكن أن يكون آدم ستون ذراعاً ويكون من بنيه في أقل من 20 قرناً "إنسانياً" فقط بعد آدم (10 قرون بين آدم ونوح، ومثلهم بين نوح وعاد كي يتهيأ من تعداد الناس ما يبلغون به أمة مثل أمة عاد)، ثم يكون طولهم مثل طولنا، ونحن الذين بيننا وبين آدم قروناً كثيرة، كما قال الله تعالى " وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا"(الفرقان:38)، وكنّا قد قدرنا في دراستنا السابقة أن عمر البشرية يُقدر بمئات الآلاف من السنين (أكثر من 500 ألف وأقل من مليونين وسبعمائة ألف)
وكان من المقبول أن تقع أطوال ثمود في منزلة بين آدم وبيننا. أما وأن أبنيتهم تقول أن أصحابها في مثل طولنا، فهذا مستحيل. وعليه لا يمكن أن تصح هذه المعلومات جميعاً. وهذا هو الإشكال الذي استعصى على ابن حجر تفكيكه، وتفنيد شيئاً منه فيذوب معه الإشكال.
موقف ابن حَجَر من الإشكال:
وجدير بالملاحظ هنا أن التصريح بالإشكال الذي أثاره الحديث لا يعني رده، بل يعني طلب علاج الإشكال. ولأن ابن حجر لم يستطع علاج الإشكال توقّف. ويشبه موقفه هنا موقف إبراهيم عليه السلام، في عدم استيعابه كيفية إحياء الله تعالى للموتى. مما جعله يطلب من ربه سبحانه وتعالى أن يزيل الإشكال من نفسه بأن يُريه كيف يحي الموتى. فأزال الله سبحانه الإشكال بأن جعله يستيقن من أن الطير التى أماتها إبراهيم بيديه وباعد بين أبعاضها، قد أحييت بندائه هو لها. فزال من نفسه الإشكال وانمحى.
موقفنا من الإشكال: (أ) على الوضع الذي تركه عليه ابن حجر، ودون أي معلومات جديدة:
سنقوم بتحليل المعلومات الثلاث، لنرى هل هي جميعاً على نفس قوة الترجيح، ومن ثم يبقى الإشكال، وهو الأمر الذي فعله ابن حجر، أم أن هناك ترجيحاً يُعلي أو يُضعف من حديث طول آدم في مقارنته مع المعلومتين (1) و (2).
(1) لم يشك ابن حجر في (أن ثمود أقرب إلى آدم منها إلى بداية أمة محمد) حين قال: [لا شك أن عهدهم قديم وأن الزمان الذي بينهم وبين آدم دون الزمان الذي بينهم وبين أول هذه الأمة]، ورغم أنه لم يبين سبب عدم تشككه في هذا، وجدنا أنه ربما استشهدت نفسه لذلك بما جاء في كتاب الله تعالى من قبيل قوله تعالى على لسان نبيه صالح لقومه ثمود: "وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ "(الأعراف:69)، ومعلوم أن نوح عليه السلام كان قريباً من آدم، وبينهما عشرة قرون "إنسانية" فقط، وأن قوم عاد جاءوا بعد قوم نوح مباشرة مصداقاً لقوله تعالى "وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ"(الأعراف:69). وأيضاً لقوله تعالى "أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ "(إبراهيم:9)، فكأن الآية قد جمعت البشرية جميعاً في ما ذكرت، فجمعت الأقوام المتتالية؛ نوح وعاد وثمود، ثم من بعدهم، فكأنه ليس هناك بين نوح وعاد وثمود أقوام أخرى، فتكون ثمود تالية لعاد(11). وعلى هذا يكون عدم تشكك ابن حَجَر في موقع ثمود من آدم وأنها أقرب إليه، مُبَرَّر كل التبرير، ولا غبار عليه.
(2) قول ابن حجر: [يُشكل علىَّ هذا ما يوجد الآن من آثار الأمم السالفة كديار ثمود فإن مساكنهم تدل على أن قاماتهم لم تكن مفرطة الطول]، وإذا بحثنا عن مصدر الثقة الذي أكد لابن حجر أن ديار ثمود هي ما عُهد في الحِجْر، فسنجد – بحسب اجتهادنا – مصدران؛
أولاً: قول الله تعالى: "وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83)"(الحِجر)، ولم نعهد في التاريخ من خالف المفسرين في قولهم أن أصحاب الحجر هم ثمود، وليس في الحجر مساكن منحوتة في الجبال إلا المساكن المعهودة التي أشار إليها ابن حَجَر (شكل (4)).

شكل (4): بعض من أبنية الحِجر التي تُنسب إلى ثمود
إلا أن من المُحْدَثين(12) من قال أن مدائن صالح (وهو الاسم الشائع حديثاً للمساكن التي تُنسب إلى ثمود) ليس المقصود من اسمها الحديث في نشأته – في القرن الثامن الهجري- نبي الله صالح، بل إن "صالح" هنا من بني العباس بن عبدالمطـلب، أما قبل ذلك فقد كان يُطلق عليها مسمى الحِجْر.
ومن الأثريين والمؤرخين من أرجع بناء و/أو سُكنى هذه المدائن إلى الأنباط، وأن منطقة الحِجْر كانت عاصمتهم الثانية – لأهميتها فى طريق التجارة القديم - بعد عاصمتهم "البتراء" بالأردن حالياً. كما أنها كانت معمورة قبلهم باللحيانيين وقبلهم بالديدانيين، وقيل أن قبلهم المعينيين. وهناك من ادعى أن ثمود كانوا في مواقع أخرى غير الحجر، مثل جبل القهر التابع لمحافظة الريث في منطقة جازان من الجزيرة العربية شمال اليمن، ومثل موقع يسمى «الدحقة» نسبة إلى دحقة الناقة وتقع في حي شعبي وسط مدينة صلالة بعمان، وأن "الناقة" حائرة في مبركها وبئرها ومحلبها بين أماكن عدة، كما أوردت ذلك جريدة عكاظ السعودية في تحقيق لها عن ذلك(13).
وخلاصة القول في أبنية ثمود في الحِجْر، أنها قابلة للتشكيك بدرجة لا تقل في أحسن أحوالها عن احتمالات التشكيك في نسبة حديث طول آدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ومما يزيد من التشكك في أن الأبنية الراهنة تعود إلى ثمود أنه حسب التأريخ الذي توصلنا إليه في دراستنا السابقة عن عمر البشرية "عمر البشرية، ومنحنى نقصان عمر الإنسان"، أنه لا بد وأن يكون قد مضى على ثمود قريباً مما مضى على آدم عليه السلام، لأن الفرق بين زمنيهما أقل من 20 ألف سنة، وحيث أننا قدّرنا لآدم عليه السلام 520 ألف سنة كحدِّ أدنى، فيكون زمن ثمود قد مر عليه 500 ألف سنة. وهذه الأبنية التي بالحِجْر لا يبدو عليها هذا الزمن الطويل، والذي لا بد وأن يترك عليها أثاراً واضحة من عوامل التعرية الشديدة. لذا فإن كانت هذه الأبنية لثمود فلا بد وأن تكون قد تعرضت لتعديلات جمة من الحضارات التي تتالت عليها عبر هذا التاريخ الطويل، ويشمل ذلك فتحات الأبواب، وربما الواجهات ذاتها! والنتيجة أن الاحتجاج بهذه الأبنية ليس من القوة بما يكفي وحده لرد حديث طول آدم ذو الستين ذراعا. – ونفس الشيء يقال على أبنية الفراعنة وأجسادهم التي احتج بها عدنان إبراهيم في نفس السياق حين قال: (المومياءات المصرية في طولنا وأحياناً أقصر قليلاً منا ... من آلاف السنين) لأن المسألة لم تعد تقاس بآلاف السنين، بل بمئات الآلاف من السنين. ولو كنا مكان "ابن حَجَر"، لكُنَّا قد استقوينا بالحديث وتشككنا في صحة نَسَب هذه الأبنية بفتحات أبوابها إلى ثمود قوم صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، لا العكس. .. إلا أن هناك أثر أخير حول ناقة صالح جدير بأخذه بالاعتبار، نورده الآن.
ثانياً: أنه في (غزوة تبوك، وعند مرور النبي والمسلمين بالحِجْر)، أورد البخاري – من بين عدة أحاديث - حديثاً عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جاء متنه كالآتي: [أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض ثمود الحجر فاستقوا من بئرها واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا من بئرها وأن يعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة] وقال ابن حجر في فتح الباري: [تضمنت هذه الرواية زيادة على الروايات الماضية (يقصد الأخرى) وسئل شيخنا الإمام البلقيني من أين علمت تلك البئر (أي أنها للناقة دون الأخرى التي نهى عنها) فقال بالتواتر .. انتهى. والذي يظهر أن النبي صلى الله عليه و سلم علمها بالوحي.]
(ب) يعود هذا الإشكال من جهة أخرى إلى توهم قرب المسافة الزمنية بين آدم وبيننا، والتي كان للإسرائيليات دورٌ فيها في تقديرها بأنها حوالي 7000 سنة. فإذا كانت ثمود في منتصف هذه الفترة، وأطوالهم مثلنا، فحتماً هناك إشكال.
ويشبه هذا الإشكال إشكال بُعد النجوم على الأرض ولكن من جهة المسافات وليس الأزمان. إذا لو كانت الأرض تتحرك، والنجوم قريبة كما كان يُظن قديماً، لوجب أن نرى النجوم وقد تبدلت المسافات بينها بسبب ظاهرة (اختلاف المنظر parallax)، ولكننا لا نرى مواقع النجوم تتغير، فاستبعد القدماء، من ثمَّ، حركة الأرض لهذا السبب. والحقيقة أن النجوم بعيدة جداً جداً، ولهذا، فهي تختلف في مناظرها بالفعل بسبب حركة الأرض، ولكن لكونها سحيقة في بعدها، فهذا الاختلاف معدوم لحاستنا البصرية (وإن كانت الأرصاد الحديثة تراه بوضوح). وكذلك زمن آدم عليه السلام، ... فلأنه أبعد كثيراً كثيراً من بضعة آلاف سنة (مئات الآلاف من السنين)، فالذين عاشوا قبل بضعة آلاف سنة لم يختلفوا عنا في الطول بشكل يمكن ملاحظته (راجع منحنى تناقص الطول).
موقف عدنان ابراهيم من الإشكال:
أما عدنان إبراهيم، فقد خطى في خطبته "مشكلتي مع البخاري" خطوة أبعد من استشكال "ابن حَجَر" في شرحه على البخاري، بعدما مهد بما نقله عنه طريق طعنه في حديث طول آدم، وقطع قطعاً باتاً بأن الإشكال لا يمكن أن يسقط إلا برد حديث الستين ذراعا. ومن ثم قطع بأنه حديث باطل. وهو حكم استلزم منه تصديقه الكامل للمقدمتين الأولتين (الأولى التي تقول بـ أن منزلة ثمود الزمنية أقرب لآدم من أمة محمد صلى الله عليهما وسلم، وهذه لا نختلف معه عليها، والثانية القائلة بـ أن أبنية الحِجر بهيئتها لثمود، وهذه التي لا نرى مُوجباً لها).
غير أن الإنصاف يلزمنا الانتصار لكل مسلم نجد له من العذر ما يناصره، مثلما نتأول الحديث بما يُبقيه. وقد وجدنا أن عدنان إبراهيم لم يبنِ حكمه فقط على ما توفر من مقدمات لابن حجر. بل أنه قد جمع من المعلومات الجديدة التي رجَّحت عنده استشكال عين الحديث من أبواب أخرى، وقد كشف عنها بنفس الخطبة ببيان واضح دون أي مواربه، فلنسمعه يسرد تلك المعلومات الجديدة وكيف أنه ارتأى أنها من القوة بما تُلزمه برد الحديث والحكم ببطلانه.
يُتابع عدنان إبراهيم في خطبته (الفيديو السابق) فيقول: "إسمعوا الآن كيف سأشكل على هذا الحديث من باب آخر بطريقة علمية. هذا الحديث لو سمعه أي عالم متمرس في علم الأحياء، سيردُّه مباشرة، ويقول: أنتم قوم تهرفون بما لا تعرفون. تعرفون لماذا؟ سأوضح هذا. .. . (هناك) قانون في علم الأحياء (يقول) الزيادة في وزن الجسم الحي المخلوق، تتناسب طردياً مع مكعب ... الزيادة في أبعاده الخطية، ... ولكن الزيادة التي يكتسبها الجسم؛ الهيكل، بالذات الهيكل العظمي – مقطع العظم – لمقاومة الثقل والوزن تتناسب تتناسب مع مربع الزيادة في أبعاده الخطية؛ بمعنى ... آدم خلقه الله وطوله ستون ذراعاً ... في المتوسط – بين الذراع الشرعية والذراع الهاشمية – 30 متراً، يعني تقريباً أزيد منا بنحو 20 مرة. الآن، (إذا) ضوعف حجمه عشرين ضعفاً
400 مرة والوزن 8000 مرة، حتماً يقول لك أي عالم في البيولوجي: مستحيل أن يُخلق هذا الخلق على الكوكب الأرضي، لماذا؟ - لأنه سينهار مباشرةً تحت ثقله ووزنه!!! بالقانون. .. يستكمل ... تابع لاحقاً"
عم يتكلم عدنان إبراهيم هنا؟
إنه يتكلم عما يُسمى تضخم الأنظمة في الأبعاد المكانية Scaling، ومنها الأجسام، كل الأجسام، حية كانت أو ميتة. أوليس الكلام مُنصبّاً على حجم آدم عليه السلام، فهيئة آدم بالنسبة لهيئة الإنسان اليوم هو تضخم في الصورة المجسمة. أي أننا لو أعدنا الخط الزمني من الحاضر إلى الماضي حتى نصل إلى زمن آدم، لكان هذا الانتقال ليس إلا تضخماً لحجم الإنسان من طوله الحالي (3 أو 3.8 أذرع) إلى (60 ذراعا)، ويقال مثل ذلك في العرض والسَمك.
فيقول أن الطول إذا زاد بنسبة (ل) فإن الحجم لا بد أن يزداد بنسبة (ل * ل * ل)، وهذا لا خلاف عليه، حيث أننا إذا كان لدينا متوازي مستطيلات أبعاده (طول، عرض، ارتفاع) = (2،3،5)
ومن ثم يكون حجمه = 2*3*5= 30
فلو زاد كل من أبعاده إلى ضعف قيمته الأولى، أي (2) فستكون أبعاده الجديدة = (4،6،10)
ويكون حجمه = 240
ومن الواضح أن النسبة بين الحجم الجديد (أي 240) والحجم القديم (أي 30) هي (2*2*2) أي (8) أضعاففإن كانت ل = 20 ضعفاً – كما قال فيما يخص آدم- فالحجم سيزداد (20*20*20) = 8000 مرة. وحيث أن الوزن هو ضرب الحجم في الكثافة، فلا بد أن الوزن المتضخم سيكون 8000 مرة قدر الوزن الأول لأنه افترض أن الكثافة ثابتة لغياب الداعي إلى التشكك فيها.
وهنا عدد من الملاحظات والإشكالات حتى هذه المرحلة من كلام عدنان إبراهيم:
1- قوله [(هناك) قانون في علم الأحياء (يقول) الزيادة في وزن الجسم الحي المخلوق، تتناسب طردياً مع مكعب ... الزيادة في أبعاده الخطية] غير صحيح في قَصْر القانون على الجسم الحي المخلوق، فالقانون صحيح لأي نظام، وأشهرها الأجسام المكانية، طالما أنه قابلاً للتضخم أو التقلص، حتى أن ذلك يشمل ما وراء الأجسام الميتة والحية، ومنها أنظمة شبكات الحواسيب، بل والبرمجيات والمعلومات، بل والخدمات العامة لدولة من الدول يتضخم تعداد سكانها أو يتقلص، ومن ثم في التخطيط الحضري، بل وحجم الشركات والمؤسسات والجمعيات والاتحادات ..... وتكاد لا تنتهي القائمة من هذه الأنظمة الخاضعة لهذا القانون.
2- أن هذا القانون ليس صلباً جامداً كما قيل من أن نتاجه يكون بمجرد تكعيب الطول أو تربيعه حسبما تتعلق الصفة المطلوبة بثلاثة أبعاد أو بعدين. فهذا التكعيب والتربيع يكون فقط في أبسط أنواع التضخم، ويسمى بالتضخم المتجانس isometric scaling، وهو حالة خاصة ونادرة! أما القانون الأصوب، وبالأخص في تطبيقاته في علم الأحياء فهو الأعم، ويُسمّى التضخم غير المتجانس allometric scaling، أي التي تتضخم أبعاده المختلفة بنسب مختلفة.
3- أن هذه الأفكار البسيطة في مسألة تضخم الأجسام بغض النظر عن نوعها وردت في صورة قانون يُنسب إلى "جاليليو جاليليGalileo Galilei في كتابه الشهير "حول علمين جديدين" Two New Sciences والمنشور سنة 1638، وقد سُمِّي القانون "قانون التربيع والتكعيب"(14) square-cube law. والقانون يقول في أبسط معانيه أنه مع تزايد أبعاد الجسم يكون معدل الزيادة في حجمه أسرع كثيراً من معدل الزيادة في مسطحاته. ولهذه الملاحظة تبعيات هامة، خاصة في علم الهندسة الميكانيكية والميكانيكا الحيوية biomechanics.
4- أن هذه الأفكار التبسيطية في مسألة أحجام الأحياء والعلاقة بين صغيرها وكبيرها وردت أول ما وردت في مقال بعنوان: "حول أنسب الأحجام في الكائن الحي"(15) On Being the Right Size في مارس سنة 1926 لصاحبها جون هالدين(16)J. B. S. Haldane، وذلك ضمن كتاب يضم مجموعة مقالات له. وقد نشر بعنوان "العوالم المحتملة ومقالات أخرى"Possible Worlds and Other Essays. وكان غرض المقال بيان أن الأنظمة الحيوية في الكائن الحي تتعين بحجمه في المكان؛ صغيراً كان أو كبيرا.
5- إذا كانت نسبة المضاعفة بين الإنسان المعاصر وآدم عليه السلام 20 ضعفاً، يقول عدنان إبراهيم: [كم سيتضاعف وزن آدم؟ التناسب هنا مع المكعب: 20 * 20 * 20 أي 8000 مرة!!! (و) هيكله العظمي، كم سيتضاعف كي يحتمل هذا الثقل الزائد؟ (لاحظ أنه) مع المربع وليس مع المكعب، (أي) 20*20، أي 400 مرة! ... 400 مرة والوزن 8000 مرة، حتماً يقول لك أي عالم في البيولوجي: مستحيل أن يُخلق هذا الخلق على الكوكب الأرضي، لماذا؟ - لأنه سينهار مباشرةً تحت ثقله ووزنه!!! بالقانون.]
نشرح أولاً مقصده من علاقة التربيع وعلاقته بقدرة تحمل الهيكل العظمي. (شكل (5))

ئشكل (5)
إذا كان طول الإنسان المعاصر (ل) ووزنه (ن) ومساحة سطح عظمة ساق أحد القدمين (س)
فلو أن الطول زاد 20 ضعفاً لأصبح طول آدم (20 ل)، ومثله العرض والعمق.
ولأن الوزن هو (طول * عرض * عمق * كثافة لم تتغير) فسيزداد وزنه ويصبح ( 8000 ن)
ولأن كل من العرض والعمق زاد بنفس الاستطالة ستصبح مساحة مقطع الساق ( 400 س)
والان نتساءل لاستجلاء المسألة: إذا كان هذا الكائن العملاق الافتراضي (آدم ذو الستين ذراعاً طولاً) سينهار – بحسب عدنان إبراهيم – بسبب تضخمه فقط بهذه النسب، فلا بد أن ينهار كل كائن يتعرض لنفس معدلات التضخم!
ولكننا نعلم أن من الكائنات ما يوجد منه أنواع بينها من النسب الحجمية ما يقارب نسبة العشرين ضعفاً في الاستطالة وأحياناً يزيد عن ذلك، ومن ثم مضاعفة الوزن قريب من عدة آلاف ومضاعفة المساحات المقطعية لعدة مئات. وفي شكل (6) مثال لسلاحف بينها هذه النسب وما زالت على قيد الحياة(17).

شكل (6)
6- ويدلنا مثال السلاحف في شكل () على دلالتين: الأولى أن هناك نسبة في الطول تزيد عن 20 ضعف، مثل تلك التي أرهبت عدنان إبراهيم، ولكنها لم تستدع بالضرورة أن يتزايد الحجم بنسبة التكعيب، والمساحات بنسبة التربيع. حيث أن نسبة الطول = 180/ 8= 22.5 ضعفاً، ونسبة الوزن = 400000/ 130 = 3077 ضعفاً. ولو طبقاً قانون التكعيب لكانت نسب الأوزان = (22.5)3 = 11390. وكم هو الفرق شاسعاً بين 3000 و 11000. والسبب أن عدنان إبراهيم قد قيد نفسه بالتضخم المتجانس isometric scaling. وهو أمر نادر الحدوث، والغالب على علاقة الكائنات الحية إذا اختلفت أحجامها أن تتبع قانون التضخم أو التقلص اللامتجانس allometric scaling، وفيه تتعدل النسب جميعاً بما يوافق وظائف الأعضاء في آدائها الأمثل. فالعلاقة ليست تكبير وتصغير ساذج كما نفعل نحن بكاميراتنا وأجهزة الحاسوب (zoom out/in)، بل بالحجم الأمثل لعضو الكائن الحي الذي يتفق مع غيره من الأعضاء في انسياب العضو لأداء وظائفه بأعلى قيمة وظيفية.
ولنا أن نتخيل أحد تلك السلاحف الرقطاء الصغيرة، من جنوب أفريقيا، وقد أخذ حظأ من العلم، وجاءه خبر صادق بأن الأرض التي يعيشون عليها، بها سلاحف أخرى تصل في طولها عن 22.5 ضعف ما هو وقبيلته من طول، فقام خطيباً في السلاحف يرعد ويتوعد بإسم العلم ويقول: لو أن هذا صحيحاً لكانت في أوزانها تصل إلى (22.5)3، أي إلى 11390 ضعف ما نحن عليه، ومستحيل أن يتحمل هيكل عظمي هذا الوزن. ومن قال هذا فلا بد أنه يهرف بما لا يعلم!!!!
ولكننا نعلم أن هذه السلحفاة مخطئة، وكذلك عدنان إبراهيم!!!
ونتيجة ما سبق، لا يلزمنا أن تكون نسب أعضاء آدم إلى بعضها كما هي عليه للإنسان المعاصر. ويظهر من شكل (7) النسب المعيارية لجسم الإنسان الآن(18)، وفيها يُنسب طول كل عضو إلى الطول الكلي
اسم الطالب مقدم البحث/ عبدالله الرفيعي
- http://kazaaber.blogspot.com/2014/10/blog-post.html
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق